السينما لا تقل أهمية عن حاجة الانسان للخبز

أنا مدين في هذه اللحظات التي أكتب بها هذا المقال النخبوي – مدين لملكوت الله في السماوات ومدين له على الوقت العظيم الذي منحّني إياه وعلى رباطة الجأش لكتابة هذه الأسطر ، جدير بالذكر أني حاولت في مرحلة مبكرة من حياتي تطبيق تقنية الخروج من الجسد أو الإسقاط النجمي وكانت هذه بمثابة هدف أسعى للوصول إليه وكنت دائماً ما أصل لمرحلة الرجّفة : بمعنى أن الروح تقترب من الخروج للجسد لتطبيق نظريات وفلسفة السفر حول العالم بإستخدام الروح الأثيرية وكنت أفشل في كل مرة – الله قيدني ولم يكتب لي في صحيفتي السماوية أن أنجح بالخروج من جسدي – وكتب علي كذلك أن أعيش في بلد عربي يفرض قيود قضائية وقيود من منطلق ديني حول المواد الإعلامية والسينمائية وهذا جعلني أعيش في فترة من التيه ، لكن إستطعت في يوم من الأيام الخروج من جسدي بإستخدام السينما – الأفلام ويجب أن أذكر أني لا أشاهد فقط الأفلام المتحركة بل أشاهد قليلاً الافلام الصامتة والمسرحيات صاحبة الإسقاط وغيرها ، إليك القارئ هذه الاسطر – خُلاصة سنوات قضيتها أمام الأفلام

لم تكن السينما تضع الكحل والعطر دائماً ، كنت في غالب الأحيان أشاهدها بالأبيض والأسود ، أقصد هنا الأفلام الكلاسيكية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي ، هذا جعلني : ‘ الشاب الذي حَييِ في الزمان الخاطئ ‘ ، على مستوى تفصيل المشاهدات ، أعُجبت للغاية بسينما الجريمة والغموض بالتحديد الأفلام التي تتعلق بالقضايا الجنائية التي تتمحور حول البحث عن الجاني ، وتفسير الأحداث بالنسبة للمجني عليه ، تلك الأفلام التي تتحرك بها الكاميرا بطريقة فاتنة ، الأفلام التي تعمل على خلفية صورتها ، موسيقى ، أو أقطوعة ، تُحيي اللحظة بداخلك ، قِف عند السينماتوغرافيا وإستمع إلى هانز زيمر ، هاوارد شور ، نيكولاس بيوفاني   .

أقمت لفترة في بلد يمنع دور السينما ، هذا حرمني لسنوات طويلة من متعة شرب عصير الرمان وأكل البوب كورن ومتابعة مارتن سكورسيزي و ريدلي سكوت بصحبة الأصدقاء ، على كل حال انا مدين للغاية للسينما التي حررتني من تلك الغيبوبة المعرفية التي كنت أعانيها ، مدين للسينما التي جعلتني أتعرف على عواصم العالم وديانات هذه المعمورة ، ثقافات مختلفة وأوجه مختلفة من العمران والحضارات ، لم أسافر كثيراً لأعرف هذا ، لكنِ تابعت مئات الأفلام التي قالت لي أن المعرفة لا تحتاج جسدك الفيزيائي ، ولا تحتاج أن تلتقط صورة عند برج إيفيل لتقول للأصدقاء ” هذا أنا ، في فرنسا ” ، يستطيع هذا العقل أن يعي ويُدرك ، من خلال السينما ، تلك الصور المتلاحقة ، مدين لها طوال حياتي لعلي اليوم أعتبر السينما بمثابة تذكرة سفر طويلة الأجل

سأكتب تفصيلاً عن أبرز ماشاهدت وأكثر القضايا التي لامستني من الداخل ، ولعلِ سأنسى بطبيعة الحال بعضها وهذا لا يعني أبداً أني نسيتها ، هذه نصائح عابرة للقارئ ، أو توثيق من أجل محاولة سَد الدَين

السينما الأوروبية : نستطيع الحديث هنا عن الفيلم الروسي ” إقترب وشاهد ” من كتابة وإخراج الروسي إليم كليموف الذي أخرجه وصوره في عام 1985 ميلادي ، الذي يحكي فيه قصص مرعبة حدثت مع طفل شاهد الموت في الحرب العالمية الثانية ، الفيلم من التحف السينمائية على مستوى الأحداث والتويست والسيناريو والحوارات الفلسفية الغامضة – نستطيع كذلك الحديث عن فيلم ” ليون المحترف ” من إخراج الفرنسي لوك بيسون الذي أخرجه في عام 1994 ميلادي ، يتحدث الفيلم عن حالة معقدة هكذا نستطيع القول ، حالة من الأحداث المترابطة بقصة متينة عن رجل يعتني بفتاة بعدما نفذت جماعة مسلحة غارة دموية على منزل والديها ، لعله من أفضل مخرجات السينما الأوروبية بالتحديد الفرنسية التي قدمت نموذج نخبوي في صناعة الأفلام من هذه النوعية التي وخلال ساعتين من الزمان لعبت على وترين مختلفين ، الأول درامي والآخر غامض لعلها توليفة الدراماتيكية التي شاهدناها بالفيلم وأثّنى عليها الجميع .

السينما الأمريكية – هوليوود : الأسماء مختلفة ، ونمتلك منظومة متكاملة من مختلف الأصناف ، نتحدث هنا بشكل موجز ، عن أفلام السير الراحل الفريد هيتشكوك وبروائعه ” النافذة الخلفية ” – ” الدوار ” ، كذلك لدينا المخرج كوبريك الذي قدم لنا أجمل أفلامه ” البرتقالية الآلية ” – ” أوديسة الفضاء ” ، لدينا تشكيلة واسعة من المخرجين الرائعين أمثال كوينتن تارانتينو صاحب فيلم الخيال الرخيص الذي قال هو عن نفسه ” كيف لي أن أصنع هكذا أعجوبه سينمائية ؟ ” وصنع كذلك كلاب المستودع أحد روائع الألفية ، سأسرد أسماء مخرجين عباقرة ولكن بطبيعة الحال تعرضوا للمظلمة الإعلامية والعنصرية على المسرح ، فيم فيندرز ، الأخوين كوين ، ستيفن سبيلبرغ ، كلينت ايستوود ، ديفيد فينشر وغيرهم المزيد لا حصر للسينما الأمريكية الوَلاّدة للأسماء البارزة في صناعة الأفلام

بكل تأكيد ليست هذه السينما فقط ، هنالك خوافي لا يمكن للوقت أن يسعف لكتابتها ، هذا المقال يجب أن يرى النور قريباً ، وقبل أن أنتهي ، أود القول بأني مدين مرة أخرى للسينما ، وأني لولاّ السينما لكنت أخرق https://i1.wp.com/d.top4top.net/p_383fx91.png ، يجب أن نستشعر هذا الشعور ، بأن تكون شيئاً ناضجاً ، تعي ما يجري وماجرى ، هذه السينما اليوم ، هذا عمرها الطويل قد قضته في إمتاعي ، وأنا بكل لطف أقول لها : شكراً ، حكمتني الظروف أن أعيش بطريقة لا أريدها ، كنت أمتلك وقت فراغ طويل للغاية ، وكان هذا العقل لَيِناً ، هَش من الداخل ، المجد لكل فيلم حاول ترميم هذا الإنسان ، وقد نجح البعض وبطريقة ملفتة ، وهذا أنا اليوم أكتب المقال الجَريء حول السينما .

صوامع الشبكات الاجتماعية

تغلغلت الشبكات الاجتماعية بحياتنا اليومية وبدأت تملك حيز كبير من وقتنا. هذا بسبب فائدتها العظيمة لنا؛ سنجد عليها أشخاص يشاركونا اهتماماتنا مهما كانت غريبة أو متخصصة. بالنسبة لي، مكنتي الشبكات الاجتماعية بالتعرف على أشخاص ملهمين وتكوين صداقات ثمينة بسببها. مع زيادة استخدامنا لها بدأت تصبح مصدر الأخبار الرئيسي لجزء كبير من أفراد مجتمعنا، وأنا من ضمنهم. أعطتنا قدرة معرفة كل حدث أو خبر يهمنا في لحظة وقوعه، قدرة لم يمتاز بها إنسان عاش في زمن آخر. لكنها سلاح ذو حدين يجب أن نعي بأضراره.

هدف الشبكات الاجتماعية الرئيسي هو زيادة ربحها من الإعلانات. مما يحفزها لتصنع تجربة هدفها الرئيسي زيادة تفاعل مستخدميها ليقضوا اكبر وقت ممكن عليها. في جوهر كل شبكة اجتماعية توجد خوارزمية وظيفتها متابعة مشاركات وتفاعل مستخدمها عليها لتتعلم اهتماماته حتى تقترح عليه أشياء مشابهة تزيد بذلك تفاعله والوقت الذي يقضيه على الشبكة. هذه الخوارزمية هي نفسها التي تستخدم في المتاجر الإلكترونية؛ في كل صفحة منتج تجد المنتجات المشابهة والتي جذبت زوارا آخرين على التفاعل بالنقر عليها. هكذا تبدأ الدورة بيننا وبين الخوارزمية، تقترح علينا أشخاص أومقالات تتفق مع اهتماماتنا وبدورنا نتفاعل مع تلك الأشياء معززين نموذج الخوارزمية لاهتماماتنا.

الشبكات الاجتماعية بطبيعتها اجتماعية، مليئة بمحتوى لا يمكن لشخص واحد أن يستهلك كل شيء بها. تجد قائمة أصدقاءنا وأولئك الذين نتابعهم تتغير باستمرار، نتابع من يشاركنا اهتماماتنا وآرائنا ونتوقف عن متابعة من لديه آراء تتعارض معنا، مما يؤدي، وبدون وعي منا، إلى فلترة المحتوى الذي نراه. لأن الخوارزمية مصممة على تعلم اهتماماتنا واقتراح أشياء التي قد تروق لنا، نجد فلاترنا تتحسن وتكبر مع الوقت عازلة عنا المحتوى الذي لا يتفق معنا. تبني الخوارزمية حولنا صومعة من الانحياز التأكيدي والتي لا تسمح لأي محتوى دخولها إن لم يكن يتوافق مع اهتماماتنا وآرائنا. يأتي يومًا نستيقظ فيه مفزوعين بوجود جزء من مجتمعنا يؤمنون وينادون بآراء ومعتقدات متطرفة تعارض جوهر كل ما نؤمن به. أحداث عام ٢٠١٦ هي أفضل مثال على ذلك.

قبل نشأت الشبكات الاجتماعية وتغلغلها بحياتنا، كان مصدر الأخبار الرئيسي لنا هي الجرائد والنشرات الإخبارية في التلفاز. كانت تلك المصادر يقوم باختيارها وفلترتها أفراد وظيفتهم ذلك؛ صحافيون ومحررون يكرّسون حياتهم لتك الوظيفة. لم تكن هذه المصادر خالية من الانحياز بل كانت ملئية به، ولكن كان انحياز واحد عام على المجتمع ككل. لم يوجد في ذلك الوقت كمية مهولة من المحتوى، يستهلك جزء من المجتمع محتوى متحيز لطرف والجزء الآخر يستهلك المحتوى المتحيز للطرف الآخر. لم يوجد في ذلك الوقت أفراد في بيت واحد متحيزون لأطراف مختلفة على نفس القضية بسبب قراءة كل منهما على من المصدر الذي يتفق مع آرائه. وبسبب سهولة النشر في الإنترنت، لم يوجد في ذلك الوقت أخبار وإشاعات كاذبة مشتتة هدفها دثر الحقيقة. كلما تفاعلنا مع محتوى معين كلما زاد ذاك المحتوى، ليصبح جهد التحقق من كل إشاعات أكبر بكثير من نشرها.

لم يمر علينا عصر كانت أهمية التفكير النقدي به كعصرنا هذا، بدونه سنغرق في دوامة من الأخبار والإشاعات التي تؤيد آرائنا مهما كان صحتها. يجب علينا أن نبدأ بتنويع مصادر الأخبار التي نستهلكها، أن نبدأ بمتابعة تلك المصادر والتي نجزم بعد اتفاقنا معها حتى نستطيع فهم الطرف الآخر من مجتمعنا. ليس علينا أن نتفق معهم، مجرد فهمهم وإدارك رأيهم يكفي. دعنا نكون صريحين مع أنفسنا، هؤلاء ليسوا كلهم أشرار أو أغبياء، بل هم منعزلون في صوامعهم الخاصة كما نحن منعزلون.

روما ولعنة العسكر ( الجزء الثاني ) .

الثاني وعشرين من كانون الثاني من نفس العام – سجن روما المركزي

نُقلت لأحد السجون الإصِلاحية في روما بعد إنهاء التحقيق معي ، ومايُشغل بالي هو أكوسطو فمازلت أجهل مكانه ، التصّبر قليلاً قد يعفيني من مخاطر الهلوسة ، أنا وعقلي نفذنا من التفكير .. التفكير إنتهى وأخشى من فقدان السيطرة على إنفعالاتي .. قد أعذر من أنذر هذه الجملة كانت سبباً في حرماني من غداء نهار الثاني والعشرين من كانون الثاني ، الحارس وضعني في لائِحته السوداء بالإضافة لحرماني من الحصة الرياضية في الخامسة عصراً

مضى ذلِك اليوم ليست كما ينبغي ، لا أخفيكم أني كنت قد جندلت آمالي على أن يبحث عني ربُ عَملي لكني كنت أدري أنه لن يفعل .. أنا قاب قوسين أو أدنى من تلقي تهمة التزوير التي بالأساس لم أقترفها ولكنها جُيرت لي بالتربص والمكيدة .. في السجن ستتعلم يارفيقي نِعمة وفضيلة الحُرية .. في السجن أصبحت أستيقظ في الخامسة ماقبل شروق الشمس لأنظف حاوية القمامة الرئيسية ولأعمل على مشروع النجارة بصحبة بقية السجناء ، وأنتهي في السابعة من كل يوم لأذهب للحصة الإصلاحية للإستماع لـ محاضرة الفلاسِفة حتى الثانية عشر ، هذا جدولي الذي أشَعل الشيب في رأسي وحطم إيماني بوجود الرحمة في قلوب بني البشر

مرت الأيام وأناً أتجرع الصبر الكاذب ، أنتظر مرور رب عملي أو على الأقل أن تأتي أمي لتعزف لي لتخفف عني ، أو أن أرىّ أبي في المنام ليسندَ لي ظهري الذي كُسر ولا جابر لهَ ، في السجن تلين المشَاعر ويخفق القلب لما وراء الجدران ، ساحات روما ومقاهيها ، مكتبة الجامعة وسهرات الألف ليلة وليلة في مارثون الثيران ، تِلك الأماني تتهاوى أمام وحشية السجن المركزي في روما ، أنت في أبشع الأماكن وأكثرها سوداوية ، جاع زعيم الإصلاحية فله الحق بأكل طبق طعامك ، مل فُلان فأصبحت أنيسه رغُم أنفك ، ضحكوا عليك في أوجّ ضياعِك أنت أمام مملكة دستورهاَ الشرعي أن لاحق للسجين الهزيل ، كل الحق للجبابرة لـ الرب الشكوىّ وإليهِ المصير

إستيقظت في صباح التاسع والعشرين من كانون الثاني مدافعاً عن نفسي في قضية تحرشّ جنسي
من أحد الحُراس في السِجن وفي الحقيقة أني صُدمت من هَول ماشاهدت من قباحة وتجرد من الإنسانية وإنعدام لأدنى سِمات الَرحمة .. لست أبلغ من العمر إلاً سبعة عشر ربيعاً وأتعرض لإعتداء جنسي أدى لإصابتي بالأمراض النفسية كلها ، بدفعة واحدة أصُبت بالإنهزامية التامة التي شَلت أركان عقلي ، لا أخفيكم أني لم أغفوا ذاك المساء وأنا أبكي ، بكيت لـ ماحصل لي في ذاك اليوم وبكيت لأجل الأيام الخوالي التي يُتمت فيها وإبتعدت أمي عني وقُتل أخي ، بكيت حتى أن أحدهم فاض عَلي برحمته فصفعني لأصمت ليستطيع إكمال نومِه ، هل ترونّ فائض الحنان ؟ في السجن سترى عَجب العُجاب ، فقط إقترب .. رويداً رويداً

صباح اليوم التالي كُنت قد عزمت دفع مبلغ إدخرته من عملي كمنظف قمامة في إصلاحية السجن ،
50 ليرة إيطالية طلبهاّ أحد الحُراس ليعطيني مكان أكوسطو .. فأعطيته بسخاء كل مامعي فغدر بيّ وأوصى بحرماني من الطعام مرة أخرى بُتهمة الرَشوة .. تمضي الأيام حتى وصلني مكتوب فصرت أسعد السعداء به ، مالبثت أن فتحت المكتوب حتى قرأت رسالةً من رب عَملي يعفيني من وظيفتي في مَكتبة الجامعة فتقبلت الأمر ثانية .. في السجن ياعزيزي ستتعلم أن تتقبل الأمور فلا مفر من الواقع .. ستتألم نعم هذا ما يريد السجان أن يُحققه في نفسك .. الألم يُريدك أن تتألم ليصلح حالك

وُجهت لي تهمة التزوير وتمت المصادقة عليها في نهار الثاني من شباط من نفس العام ، قرأت مكتوب الحكم ورحت أقرأ .. أبحث عن أرقام باحثاً عن مِدة محكوميتي أو سعر كفالتي لإخراجي من السجن حتى قرأت مالم أرد ، السجن لـثلاثة أعَوام وكفالتي تبلغ 20 ألف ليرة إيطالية ..
في نفس اليوم طلبني أحد الحُراس لمقابلة أحد الزوار ، لا أستطيع أن أنكر أني سّعدت بذلك كثيراً ، حتى قابلت صديق أبي ، الذي كنت أعلق خيرة آمالي بهِ كونه أوفى أصدقاء أبي ، الذي وَصاه أبي بحُسن معاملتي والنفقة علي عند الحَاجة .. بدأت المحادثة بأسمى عبارات الإحِترام والمواساة ، حتى ظننته رسول السلام ، القادم لإنقاذي من حِبال القهر والتسلط ، وجدني في حديثي عاطفي المبتغّى ، كتابي كان مفتوح .. قلت لهَ يا أبي أود الخروج من هناً .. ثمن كفالتي بلغ مابلغ وأنت أهُل السند والعَون ، فما خيبت من تمسكَ بلحيتكَ الوضاءةَ ، فناشدتهَ حتى ألحّحتُ عليه فضجر .. عَلمت أنه
ليس بمرادهِ مساعدتي وإخراجي من السِجن ، فلمحت في حديثهِ همزاً ولمزاً إلى أمرِ لم يخُطر على بالي إطلاقاً

صديق والدي يعرضُ عليَ أن يزودني بالمخدرات لأبيعها في السجن ، صُدمت من ماسَمعت وعلمت أني ونفسي لا ثالث لناً ولا مُنجي لناً ، في حقيقة الأمر أني صُدمت وتعرضت للحزن العَميق لما سمعتهِ ، أعطاني وعداً أن يُخرجني من السجن خلال ستة شهور ، إذا ما وافقت على ماطلب ، وحملنيّ المسؤولية وأيضاً رغم أنه أرهبني من خطورة العمل إلاً أنه أبدى لي محاسنهِ ، فتنني بهِ وأغراني حتى كِدت أن أوافق على ماطلب حالاً ، تصبرّت حتى أنهى الحديث معي بمُهلة للتفكير مدتها ثلاث أيام وبعدهاً لن يذكرني حتى بزيارة ترضية أو مواساة ، أذكر أنه قال لي بالحرف الواحد : ستكون طَعاماً لِمَن لا طَعام له ، إنتهى حديثهِ معي والوقت يمضي وإجابتي ستحضر له بعد أيام

أصبحت في اليوم التالي أحكَ جسدي بعد أن فتكت بي الصدفية وتصاعدت آثارها ، لا طبيب ولادواء
حارس يبتغي رشوة مقابل تصعيد أمر بالعِلاج في مشفىّ الإصلاحية ، حالتي الصحية تَتَدهور حتى عُرض أحدهم علي أن أستخدم مُخدراً من نوع فعال ، كما قال لي أني لن أشعر بأي شئ ، سوا العافية .. فلم أعلم أن ما عُرض علي كان حِفنة من مخدر فاسد أردتني طريح الفراش لأربعة أيام .

ملاحظات :
* أتعمد عدم الإفصاح عن إسم الراوي حفاظاً على غموض الأحداث
* جميع أسماء المناطق والأسماء المستعارة هي أسماء حقيقية المصدر
* القصة من وحي الخيال ، لا تمد للواقع بأي صِلة

روما ولعنة العسكر ( الجزء الأول ) .

كنت قد أنهيت دراستي الثانوية قبل شهور وها أنا الأن أعمل في المناوبة الرابعة في ساعتي الأخيرة من ليل الواحد والعشرين من كانون الثاني .. وكما يُفترض أن أعمل في قسم الأرشيف لتحضير الشاي والقهوة للجالسين في المَكتبة ، للتعريف عن نفسي أناً يتيم ، والدي توفى أثناء عملية زرع منظم ضربات القلب وأمي تعمل كعازفة هّاوية في إحدى الجزر الساحلية وترفض الإعتراف بي وأخي ( مارثيو ) أُستخدم كَدرع بشري وَقٌتل في أحد أكبر عمليات تبادل المخدرات في وسط روما

أنهيت العَمل وكُنت أنوي إصطحاب رفيق للتسكع في شوارع روما الأرجح أنها كوريسو ، كُنت أيضاً قد إدخرت مبلغاً يساوي سبعة وعشرين ليرة إيطالية ، تلك الليلة أنتظرها من كل أسبوع لإحتساء الكابتشينوا برفقة صديقي ( أكّوسطو ) والتغزلّ العفيف بفتيات الثامنة عَشر الحسناوات ، في تمام الثانية عشر ليلاً ركبت الحافلة برفقة الصديق قاصدين كوريسو

وصلناً بعد أن قتلنا الحماس وكَبلنا الشغف ، وصلنا الشارع المنشود وتوجهنا حالاً إلى أحد المقاهي ذات الإطلالة المفتوحة على المعبر المائي المُطل على بٌحيرة ( ماجيوري ) لإحتساء الكابتشينوا كما تجري العادة بدون سكر وبقطعة كعك يا نادل .. جلسناً نحن الإثنان ومعناً ضوء القمر وصوت زئير روما على مسامِعنا .. وبينما نحن نتبادل أطراف الحديث وإذ بدورية عسكر تجوب المعبر تتجه صوبنا .. أتحدث بصوت خافت لـ أكوسطو هامزاً ولامزاً إياه بأن لا يخاف .. لكنيّ تأخرت فهو الأن يرتعد خوفاً .. العسكر وصل إليناً قائلاً : طابت ليلتكم ، أوراق هوياتِكم إذا سمحتم يارفاق ؟ .. أعَطيته مامعي من أوراق تثبت إنتمائي وفصلي ونسبي .. لكني غفلت عن أكوسطو الذي هو بالأصل إبن شوارع روما ، ترعرع في أزقّتها مابين جنوبها إلى جنوبها الشرقي ..

العسكر لـ أكوسطو : أين أوراقك ياسيدي ؟ أكوسطو لا يتحدث ! أكوسطو يركض بإتجاه الحي الشمالي وتركنيّ والشرطي بمفردناً وعلامات التعجب والحيرة على وجهي ، هذا مالم يكن على وجه الشرطي إنما جهاز الإرسال الصوتي .. يتحدث قائلاً : إلى القطاع الخامس من وحِدة التفتيش الأمنية بإتجاه الحي الشمالي مراهق يبلغ التاسعة عشر يهرب من تفتيش إحترازي .. حّول

دقات قلبي مُضاعفة ، العسكر يطلب الدعم ولأول مرة في حياتي أتذوق الأدرينالين بهذا الإفراط ، العسكر بقيّ واقفاً بجانبي وماهي دقائق إلاً ويتحدث أحدهم عبر جهاز الإرسال قائلاً : إلى الحامل الثاني عشر .. تم إلقاء القبض على المشتبه .. العسكر ينظر إلي قائلاً : ستسير بجانبي مُترجلاً وإياك والفِرار ، إلى القسم العسكر في تمام الواحدة والعشر دقائق كنت في قسم التحقيق الإبتدائي في أرقى شوارع روما ، حيث خارج تِلك البنيان توجد البحيرة والمقهى وكأس الكابتشينو خاصتي !

وهاّ أنا بإنتظار الدخول للمحقق .. ولست أعلم بأي شئ حول صديقي أكوسطو ، كنت تّارةً أتخيلهْ خلف القُبضان وتّارة أتذكر تفاصيل ذاك الرجل الذي أرداه أكوسطو أرضاً ليلقىّ مصرعه لقاء حِفنة من الكوكايين قبل عِدة أيام وفي لحظات أتذكر هوسّ وجنون أكوسطو في كتابة ذكرياته على المحّلات الراقية أو حتى نشل حقائب سيدات المجتمع من شوارع روماً ! كل تلكِ الأمور خطرت ببالي ومعها كان قلبي يبكي وأنا كالأم أطبطب عليه بأن لا تبكيّ الرب مَعنا ، دقائق ويناديّ أحدهم بإسمي ومن ثم يصطحِبني لغرفة التحقيق .. كنت أسير وأتحدث بتلعثم قائلاً : أين أكوسطو ؟ هل مازال حياً .. دخلت غرفة التحقيق

دخلت غرفة التحقيق وكماً كنت أتوقع أمامي .. أربعة من أكابر المحققين وحارس بلغ مابلغ من القوة .. لَمحّت صورتي على الطاولة وصورة أكوسطو ، تعبت من الطبطبة على قلبي فَبكيتّ !
يَاله من موقف مُهيب .. سألني المحقق الأول قائلاً : أين كنت في تمام العاشرة ؟ قلت لـِنفسي هانحن الأن نبدأ ! تِلك الأسئلة شاهدتهاً مراراً في دور السينما لكنِ لم أتوقع أن أتعرض لها .. لا أخفيكم أنها أسئلة مسمومة .. يضربني أحدهم ليقولّ لي تحدث ياهذاً .. لسنا عازمين على اللهو وإياك

في تمام العَاشرة كنت في مكتبة جامعة روما سابينزا ! السؤال التالي : هل لكَ علاقة بخلياتّ التزوير ؟ أجبته لا ياسيدي .. يضربني أحدهمُ قائلاً : أوضح مقصدك ياصغير .. قلت : علاقتي معهم لا وجود لها .. حياتي كلها في المكتبة هناك أعمل طوال يومي .. السؤال التالي : ماعلاقتك بـ أكوسطو ؟ لا أخفيكم أني شعرت بالخوف ، ولطالما كان أركوسطو يخفي عني الكثير والكثير ! أجبته : صديقي منذ الطفولة ياسيدي ،تحدث المحقق : شُكراً لك .. إنتهت الأسئلة .. يحق لك أيها العسكر تفتيش السيدّ تمهيداً لإدخاله السجن .. بكيت مجدداً كيف لاً وأنا المهووسّ بقصص السجون ومايحدث بها
تقدم أحدهم وبدأ بتفتيشي .. ثواني حتى أخرج يده حاملاً نقودي .. يغمز المحقق لـ العسكر بأن ينصرف ولم ترقّ لي تِلك الهمزة الخبيثة ، دقائق حتى عـاد ليعطيني صفعة على وجهي ويتحدث قائلاً : مزورة .. نعم ياسيدي مزورة .. 21 ليرة إيطالية مزورة بإحترافية !

الجزء الثاني في قادم الأيام .. شُكراً للقراءة

ملاحظات :
* أتعمد عدم الإفصاح عن إسم الراوي حفاظاً على غموض الأحداث
* جميع أسماء المناطق والأسماء المستعارة هي أسماء حقيقية المصدر
* القصة من وحي الخيال ، لا تمد للواقع بأي صِلة