أدبيات

الشراع لا الريح

اعتدنا أن نردّد أن الرياح لا تأتي بما تشتهي السفن، وكأن الإنسان خُلق ليبقى تحت رحمة العواصف، ينتظر صفاء السماء ليبدأ، وهدوء البحر ليحلم. لكن الحقيقة التي نكتشفها متأخّرين، أن الرياح ليست قدرًا منفصلًا عنّا. نحن لسنا ركّابًا عابرين على سطح الحياة؛ نحن الرياح حين نقرّر، ونحن البحر حين نثبت، ونحن السفن حين نتحرّك.

وهذا صحيحٌ في بناء الشركات كما هو صحيحٌ في الحياة. من ينتظر «الوقت المناسب» ليبدأ مشروعه لن يبدأ؛ فالوقت المناسب لا يأتي، بل يُصنع. والسوق لا يهدأ ليأذن لك بالإبحار؛ عليك أن تُبحر وهو مضطرب، وأن تضبط شراعك مع كل تغيّر، لا أن تنتظر بحرًا ساكنًا لن تراه أبدًا.

وليست المشكلة في الرياح، بل في الشراع. السفينة التي تعرف وجهتها لا تنشغل كثيرًا باتجاه الريح، بل تضبط شراعها لتستفيد منها ولو جاءت من حيث لا تحبّ. أما السفينة التي بلا هدف، فكل نسمةٍ تهزّها، وكل موجةٍ تُربكها، وتقضي عمرها تلوم الطقس، وتخاف البحر، وتنتظر إذنًا من العالم كي تتحرّك.

ومن يملك الاتجاه، يملك القدرة على تحويل العاصفة إلى اختبار، والاختبار إلى خبرة، والخبرة إلى قوة. قد تقف في وجهه العوائق، وقد تحاربه الظروف، وقد يتعثّر مرّاتٍ كثيرة، لكن العثرة لا تلغي الاتجاه. فالذي يرتجي شيئًا بهمّته لا ينتظر الظروف، ولا يساوم على طموحه بحجّة الواقع.

وحين نفهم أننا لسنا ضحايا الظروف، يتغيّر كل شيء. نكفّ عن سؤال: لماذا حدث هذا لي؟ ونبدأ بسؤال: ماذا يمكن أن أفعل الآن؟ هذا التحوّل الصغير في السؤال هو الفارق كلّه بين من تنتظره الرياح، ومن يُسخّر الرياح لصالحه. والقمم لا تُدرك بالراحة، بل بالمخاطرة المحسوبة؛ لا يصعدها من يخشى التعب، بل من يرى في التعب ثمنًا مستحقًّا للوصول.

ولا يعني هذا أن نكابر على البحر، أو نمضي عكس كل ريحٍ عنادًا. الحكمة ليست في مقاومة كل شيء، بل في معرفة متى تضبط الشراع، ومتى تنتظر، ومتى تغيّر المسار دون أن تغيّر الوجهة. الثبات في الهدف لا يناقض المرونة في الطريق؛ بل هما وجهان لبحّارٍ واحدٍ يعرف إلى أين يذهب.

في النهاية، الحياة ليست سباقًا مع الريح، بل حوارًا معها. إن قاومتك يومًا، فربما لتختبر صلابتك؛ وإن ساندتك، فربما لتكافئ ثباتك. لكن في كل الأحوال، أنت من يقرّر أن يبقى في الميناء أو يُبحر. من يملك الاتجاه يُسخّر العاصفة، والسفن التي تعرف طريقها لا تنتظر الإذن من البحر كي تمضي.

2 تعليقات على “الشراع لا الريح

  1. Really enjoyed reading this. The part that resonated most with me wasn’t about the storm, but about separating the destination from the path. In product, markets change, customer needs evolve, and assumptions prove wrong. What shouldn’t change is clarity of purpose. Flexibility in execution is often mistaken for a lack of conviction, when in reality it’s what keeps great teams moving toward the same destination. Thanks for sharing this perspective.

    1. Thank you for this thoughtful reflection. You captured one of the ideas closest to what I wanted to express: the path may change many times, but the destination should remain clear.

      Especially in product, flexibility is not a lack of conviction. Sometimes, it is the strongest proof that we are committed to the purpose rather than attached to one specific path.
      I’m glad this part resonated with you.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *