خواطر وتجارب

بوصلة قبل السرعة

الانشغال ليس إنجازًا. أكتب هذا وأنا أعرف كم يصعب تصديقه، لأن ثقافتنا تكافئ المشغول وتشكّ في الهادئ. من يركض في كل الاتجاهات يبدو مُنتِجًا، ومن يجلس ليفكّر قبل أن يتحرّك يبدو متكاسلًا. والحقيقة عكس ذلك تمامًا.

أخطر أنواع التعب أن تركض بأقصى سرعتك في الاتجاه الخطأ. فكلّما زادت سرعتك، ابتعدت أكثر عمّا تريد، وأنت تظنّ أنك تقترب. السرعة بلا بوصلة لا تُقرّبك من القمة، بل تُتقنك في التيه.

رأيتُ فِرقًا كاملة تعمل بجدٍّ يستحق الاحترام، لكن على شيءٍ لا أحد يعرف لماذا يبنيه. الجهد صادق، والتعب حقيقي، والنتيجة صفر، لا لأنهم كسالى، بل لأن أحدًا لم يتوقّف ليسأل: نحو ماذا نركض؟ صار السؤال نفسه ترفًا، لأن التوقّف يبدو تباطؤًا، والجميع يخشى أن يبدو متباطئًا.

والبوصلة تسبق السرعة دائمًا. أن تعرف اتجاهك ثم تمشي ببطء، خيرٌ من أن تنطلق بأقصى قوّتك بلا اتجاه. الأول يصل متأخّرًا، والثاني لا يصل أبدًا مهما تعب.

وليس هذا دعوةً إلى الجمود؛ فالاتجاه لا يُعرف بالتأمّل وحده، بل بالتحرّك ثم التصحيح. لكن شتّان بين من يتحرّك ليصحّح مساره، ومن يتحرّك ليهرب من قلق الجلوس مع نفسه.

فقبل أن تسأل: كيف أُسرع؟ اسأل: نحو ماذا أركض أصلًا؟ الإجابة قد تكلّفك يومًا من التوقّف، لكن يومًا واحدًا في اتجاهٍ صحيح، أثمن من شهرٍ كامل في الاتجاه الخطأ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *