إدارة المنتجات

من فكرة إلى يد المستخدم

بين فكرةٍ تلمع في اجتماع، ومنتجٍ يصل إلى يد المستخدم، مسافةٌ طويلة. تُدفن في هذه المسافة أفكارٌ كثيرة، وتُفقد فيها معانٍ أكثر.

نتوهّم أن التحدّي هو توليد الأفكار. الأفكار رخيصة؛ كل اجتماع يلد عشرًا منها قبل أن ينتهي. التحدّي الحقيقي أن تعبر بالفكرة كامل الطريق دون أن تفقد روحها في الترجمة. فالفكرة، وهي تنتقل من رأسٍ إلى مستند، ومن مستندٍ إلى تصميم، ومن تصميمٍ إلى شيفرة، ومن شيفرةٍ إلى شاشة أمام إنسان، تفقد في كل محطة جزءًا من نيّتها الأصلية. وما يصل في النهاية قد يشبه الفكرة، لكنه ليس هي.

وليست المشكلة في نقص الأفكار، بل في ما نفقده ونحن نعبر بها. ولماذا نفقد؟ لأن كل محطة يقودها من يفهم الهدف بدرجةٍ مختلفة. المصمّم يفهم «السهولة» على نحو، والمطوّر على نحوٍ آخر، وصاحب الفكرة كان يقصد نحوًا ثالثًا لم يقله بوضوح لأنه بدا له بديهيًّا. وكلٌّ منهم مخلص، وكلٌّ منهم مجتهد، ومع ذلك يصل إلى المستخدم شيءٌ باهت؛ لا لأن أحدًا أخطأ، بل لأن النيّة تسرّبت في الطريق.

تخيّل جملةً همستها في أذن جارك، فنقلها إلى جاره، وهكذا حتى آخر الصفّ. الجملة التي تصل ليست التي بدأتَ بها؛ فقدت كلمةً هنا، وبدّلت معنًى هناك، حتى صارت غريبة عنك. المنتجات تُبنى أحيانًا بهذه الطريقة تمامًا، ثم نتساءل لماذا لا يشبه الناتج ما حلمنا به.

هنا يظهر الدور الحقيقي لمن يبني المنتج: ليس أن يملك أفضل الأفكار، بل أن يكون الحارس الأمين للنيّة عبر كل المسافة. أن يقف عند كل محطة فيسأل: هل ما زلنا نبني ما قصدناه؟ أم أننا انزلقنا، خطوةً خطوة، إلى شيءٍ يبدو معقولًا لكنه ليس الهدف؟ هذا الحارس لا يكتب الشيفرة بالضرورة، ولا يرسم الشاشة، لكنه يضمن أن ما وصل هو ما وُلد، لا شبحه.

الوصول ليس أن ينتهي البناء، بل أن يصل إلى يد المستخدم ما قصدناه فعلًا. فالمستخدم لا يرى النيّة الجميلة التي وُلدت في الاجتماع؛ لا يرى إلا ما بين يديه. وما بين يديه هو المنتج الحقيقي، وكل ما عداه مجرّد كلامٍ قيل في غرفةٍ مغلقة.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *