تفكيك الفوضى إلى معنى
يُقال إن أصعب ما في بناء المنتجات هو التقنية. في تجربتي، هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة. التقنية تُتعلّم، والأدوات تتبدّل كل عام، وما يتقنه الناس اليوم يصير غدًا من البديهيّات. أما المهارة التي لا تُشترى ولا تُختصر، فهي أن تنظر إلى فوضى كاملة، فترى النمط المختبئ فيها.
كل منتج يبدأ فوضى: شكاوى متناثرة، وطلباتٌ متضاربة، وأرقامٌ تقول شيئًا وسلوك المستخدم يقول نقيضه، وفريقٌ كلٌّ فيه يرى المشكلة من زاويته وحدها. من يقف أمام هذا المشهد فيرى ضجيجًا فقط، يبني ترقيعات؛ ومن يرى فيه إشارةً تحت الضجيج، يبني حلًّا.
وتفكيك الفوضى ليس ترتيبًا، بل تحويلًا. الترتيب أن ترصّ الفوضى في جداول أنيقة فتظنّ أنك فهمتها، وأنت لم تزد على أن نظّمت حَيرتك. أما التحويل فأن تسأل حتى تصل إلى الجذر: ما القاسم المشترك بين هذه الشكاوى العشر؟ وما الحاجة الواحدة التي تختبئ خلف عشرة طلباتٍ مختلفة الظاهر؟ حين تجد ذلك القاسم، تكون قد بدأت فعلًا. عندها تصير الفكرة معنى، ويصير المعنى قرارًا، ويصير القرار منتجًا يشعر المستخدم أنه صُمِّم لأجله وحده.
ولهذا التحويل أدواته، وكلّها أسئلة لا أوامر. حين تلقاني أمام مشكلة، لن تسمعني أسارع إلى الحل، بل أسأل: ما الذي نراه فعلًا، مجرّدًا من تفسيرنا له؟ وما الذي نفترضه دون دليل؟ ولو كان ما نظنّه سببًا مجرّد عَرَض، فأين الجرح الحقيقي؟ الأسئلة تفكّك الفوضى، والأجوبة المتسرّعة تعيد ترتيبها فحسب.
مرّة واجهنا انخفاضًا في عدد المسجّلين. كان السهل أن نلوم التسويق، فهو المتّهم الجاهز دائمًا. لكن حين قلّبنا الأمر مع العملاء ومع فريق الدعم، اتّضح أن المشكلة لم تكن في جذب الناس، بل في تعقيد المنتج نفسه بعد أن يدخلوا، وفي فريق دعمٍ لم يُدرَّب جيّدًا فعجز عن إنقاذ من احتار. لو عالجنا العَرَض، أي التسويق، لأنفقنا أكثر وحصدنا الشيء ذاته. ولأننا فكّكنا الفوضى حتى جذرها، عالجنا السبب، فتحرّكت الأرقام من حيث لم يكن أحدٌ ينظر.
وتعلّمتُ من هذا درسًا يتجاوز أي منتجٍ بعينه: النظام ليس مجموع أجزائه، بل حاصل تفاعلها. الخلل في جزءٍ صغيرٍ منسيّ قد ينزف في أجزاءٍ لا تبدو له صلة، والقوة كذلك: نقطةٌ واحدة تُحسَّن، فيتحسّن ما حولها كلّه. من يرى الأجزاء منفصلة يعالج الأعراض إلى الأبد، ومن يرى الروابط يعالج مرّة واحدة.
وهذه المهارة لا تبقى في العمل، بل تتسلّل إلى كل شيء. أطبّقها على حياتي كما أطبّقها على منتجاتي: حين يزدحم الرأس بالقلق، لا أحاول إسكاته، بل أفكّكه. ما الذي يقلقني فعلًا تحت هذه الأشياء العشرة؟ غالبًا يكون واحدًا، والتسعة الباقية ظلاله. وحين أُسمّي الواحد، تهدأ التسعة من تلقاء نفسها.
أن تحوّل الفوضى إلى معنى، هو أن تمنح العالم شكلًا يمكن التصرّف بناءً عليه. وهذا، في نظري، جوهر العمل كلّه: لا أن تعرف أكثر، بل أن ترى الرابط الذي لا يراه غيرك.
والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.