خواطر وتجارب

لماذا أكتب؟

اعتدنا أن نكتب حين ننجح، لنحتفي؛ أو حين ننكسر، لنشتكي. لكنّي لا أكتب لهذا ولا لذاك. أكتب لأفهم.

الكتابة عندي ليست تدوينًا لما أعرف، بل طريقٌ إلى ما لا أعرف أنّي أعرفه. حين أجلس أمام الصفحة البيضاء، أكتشف أن نصف قناعاتي لم تكن قناعات، بل عاداتٍ في التفكير لم تُراجَع يومًا. الورقة لا تجامل. تكشف الفكرة الناقصة كما يكشف الضوء الغبار المعلّق في الهواء؛ لا لتؤذيك، بل لتريك ما كان حاضرًا طوال الوقت ولم تره.

ثمّة فرقٌ بين أن تمرّ الفكرة في رأسك، وأن تُلزمها بالوقوف على سطر. في الرأس تتنقّل الأفكار بخفّة، يكمّل بعضها نقص بعض، فتبدو كلّها مكتملة. على الورق تقف كلّ فكرة وحدها، عاريةً من سياقها، فيظهر ما فيها من ثقوب. لهذا أكتب: لا لأزيّن أفكاري، بل لأختبرها. والفكرة التي لا تصمد على الورق، لم تكن لتصمد في قرار.

في عملي أبني منتجات، وفي المنتجات أتعامل مع الغموض كل يوم: مستخدمٌ لا يقول ما يريد، وسوقٌ يتغيّر تحت قدميك، وقرارٌ لا بيانات كافية لحسمه. تعلّمتُ أن أوضح طريقةٍ أرى بها وسط هذا الضباب هي أن أكتب فيه؛ أن أُخرج ما في رأسي إلى الورق، فأرى أين المنطق متماسك، وأين هو مجرّد رغبةٍ تلبّست ثوب الحجّة.

لهذا قررتُ أن أكتب كل يوم، ثلاثة وثلاثين يومًا. لا عن النجاح، بل عن الطريق؛ عن المنتج، والقيادة، والإنسان الذي يقف خلف كل قرار. لن تجد هنا وصفات نجاح، ولا خطواتٍ مرقّمة، ولا وعدًا بأنّي أملك الجواب. ستجد محاولةً صادقة للفهم، مكتوبةً بصوتٍ عالٍ؛ بعضها قد يصيب، وبعضها قد تختلف معه، وهذا في ذاته جزءٌ من المقصد.

وإن سألتني: لماذا على الملأ، لا في دفترٍ مغلق؟ فلأن الكتابة التي تُقرأ تُحاسَب. حين تعرف أن عينًا ستقرأ، تكفّ عن مجاملة نفسك. تصير أصدق، لأنك لم تعد تكتب لنفسك وحدها، بل لقارئٍ لن يسامح الغشّ في الفكرة.

أكتب لأفهم، نعم. لكنّي أنشر لأتعلّم منك أنت أيضًا. فالكاتب الذي يظنّ أنه يُعلّم لم يبدأ الطريق بعد؛ والذي يعرف أنه ما زال يتعلّم، لا ينتهي منه أبدًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *