حين يهدأ كل شيء إلا العقل
أوضح أفكاري تأتيني في الثالثة فجرًا.
ففي تلك الساعة يهدأ كل شيء إلا العقل. تنطفئ الرسائل، وتصمت الاجتماعات، ويغيب الضجيج الذي يملأ النهار، فيبقى صوتٌ واحد لم يكن يجد فرصته طوال اليوم: صوتك أنت. لا المدير، ولا العميل، ولا قائمة المهام؛ أنت وحدك مع ما كنت تؤجّل الإصغاء إليه.
ولطالما ظننتُ أن الأرق عدوّ، حتى انتبهتُ أنه أحيانًا رسول. القلق الذي يوقظني في تلك الساعة هو نفسه الذي يريني ما لا أراه نهارًا؛ القرار الذي كنت أتهرّب منه، والشعور الذي دفنته تحت الانشغال، والسؤال الذي لم أُرد أن أسمعه. النهار يمنحنا ألف ذريعة لنتجنّب أنفسنا، والليل يسحبها كلّها.
ولستُ أُجمّل الأرق؛ فقلّة النوم ثمنٌ باهظ، والجسد يحاسب على كل ساعةٍ نسرقها منه. لكنّي تعلّمتُ ألّا أطرد أفكار تلك الساعة بوصفها ثمرة تعبٍ فحسب. بعضها كذلك، وبعضها الآخر حقيقةٌ انتظرت حتى يخفت الضجيج لتُسمَع. والحكمة أن أميّز بينهما: أن أدوّن ما يستحق، وأترك ما هو مجرّد قلقٍ يدور حول نفسه.
وما تعلّمته أن الوضوح لا يحتاج إلى مزيدٍ من المعلومات، بل إلى مزيدٍ من الصمت. نحن لا نجهل ما نريد؛ نحن فقط لا نمنح أنفسنا هدوءًا كافيًا لنسمعه. والثالثة فجرًا ليست ساعةً سحرية، بل هي ببساطة اللحظة التي يهدأ فيها كل شيء بما يكفي لنسمع أنفسنا أخيرًا.
ما زال في الدفتر كلام
ما أكتبه عن المنتجات والقراءة والحياة، يصلك أول ما ينشر. كتابة هادئة عن المنتجات وما بينها، دون إزعاج