خواطر وتجارب

التفاصيل التي لا تظهر في التقارير

أفضل القرارات التي اتخذتها في حياتي المهنية لم تظهر في أي تقرير.

نحبّ الأرقام لأنها تريحنا؛ تمنحنا شعورًا بأننا نمسك الحقيقة بأيدينا. لكن الأرقام تخبرك بما حدث، ونادرًا ما تخبرك لماذا حدث. تقول لك إن ثلاثين بالمئة غادروا عند هذه الخطوة، لكنها لا تحكي لك عن تلك اللحظة الصغيرة من الحيرة على وجه المستخدم، حين لم يعرف أيّ زرٍّ يضغط، فأغلق التطبيق وهو يشعر بالغباء، لا بالغضب. ومن يغادر غاضبًا قد يعود؛ أما من يغادر وهو يشعر بالغباء، فلا يعود أبدًا.

هذه التفاصيل لا تُقاس، ولهذا لا تدخل التقارير. لكنها هي التي تصنع الفرق: الفرق بين منتجٍ يعمل ومنتجٍ يُحَبّ، وبين خدمةٍ صحيحة وخدمةٍ تشعر أن أحدًا فكّر فيك وهو يصمّمها.

في «من أنا» كتبتُ أنّي أحبّ مراقبة ما لا يظهر في التقارير. لم يكن ذلك تنميقًا؛ أعنيه حرفيًا. أجلس أحيانًا أشاهد أحدهم يستخدم شيئًا بنيناه، لا لأقيس، بل لأرى: أين تتردّد يده، وأين يتنهّد، وأين تفلت منه ابتسامة. لا جدول في الدنيا يلتقط تنهيدة.

والخطر أن نُدمن ما يُقاس وحده، لأنه أسهل في الدفاع عنه أمام الآخرين. «الرقم يقول كذا» جملةٌ تُنهي أي نقاش. لكن أخطر أنواع العمى أن ترى بوضوحٍ ما لا يهم، وتعمى عمّا يهم لأنه لا يُعدّ.

لهذا تعلّمتُ أن أُصغي لما لا يُقاس؛ لا لأرفض الأرقام، بل لأكمّلها. الرقم يخبرني أين أنظر، والتفصيل الصغير يخبرني ماذا أرى حين أنظر. وهناك، في ما لا يظهر في أي تقرير، يسكن الفرق الحقيقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *