تراتيل من بواقي الأيام ، وسر كحلتي والطاعن الأرعن

نَائُم أناَ وكأس ماءِ في يديَ ، أمي في غرفة الجراحة تقبعَ ، علىّ كرسيَ الإنتظار ، معصميّ تجمدْ ويلتيَ فالحرارة من الصفر دَنتّ ، أياَ بائِعة الكبريت منيَ إقتربيَ ، عشرة من الدنانيرَ هي مامعيّ ، سواهاً لا أملكَ والبردَ بجسدي يفتكَ !

بجانبيَ طاعِنُ في السن بالقهوةَ مُمٌسكَ .. كالمدفئة أراهاً فاتنةَِ أجزمّ أني إشتهيت أن أغُمس في نار مازادَ أمريَ شِدةً هو ذاكَ الشابَ الوسيمَ ، في فترة نـقـاهةِ أظنهَ

متابعة قراءة تراتيل من بواقي الأيام ، وسر كحلتي والطاعن الأرعن

أقرأ .. ذلك العالم الآخر ..

يعيشُ وحيدًا ، مُنعزلٌ فِي صومعته ، غريبٌ فِي وطنه ، مُتناثرٌ فِي عالمه الخاص .

ينُوح ويبكِي ، يسعدُ ويبتسمُ ، يتأملُ ويفكّر ، كلّ ذلك وحيدًا في صومعته .

تساءل يومًا .. إلى متى سيستمرُّ هكذا؟.

لكن الإجابة .. أتت بأسرع مما تصوّر.

يومَ أتى كان يقلّبُ صفحاتِ الوجُوه ، هذا وذاك ..

يومَ رحلَ كان يُحاولُ مَحِيَ خطيئة الدمُوع ..

يومَ أن كانَ وحيدًا ، ضاقت به الأرض ورَمَى نفسه بينَ دفّتيّ الكُتب .. كانتْ تستقبلهُ كلما أقبلَ عليها .. تُسرعُ إليه تُريد منه أن يضمّها إلى صدره ..

متابعة قراءة أقرأ .. ذلك العالم الآخر ..

قِصّة

يُكافِحون .. يُقاتِلون ..
يُحَاولُون ..
ويأسٌ يهطلُ عليهم .. يُبرزُ السيفَ ويقتلُ أرضهُم ..
يسعونَ إلى مُنىً .. ما لبثت أن خَطَوْا ديارهَا .. حتى كرّت إلى وجهةٍ حُجبت عنهم ..
تُكسر فِي المعركة سيُوفهم .. التي كانُوا يخالونها ستُغمّدُ ..
وبسقُوطهم تُزلزلُ الأرض .. التِي كانُوا يظنّونها أرضَ أحلامِهم ..
ويُسحبُونَ أسرى ليأسٍ بعدما غدَوا ولهيبُ العزيمةِ فِي أعييُنِهم ..
فِي الأسر ، لا طعام .. لا وسن .. لا حيَاة .. ليسَ مِنهم .. بل رُغمًا عنهُم!
هذَا المَنفَى .. لا يمدّ يده للإنسانيّة .. ولا يعرفُ ما الحُريّة ..
منفىً ، أصفادهُ أسوارٌ من الحُزنْ مُمتدةٌ على مدّ الأفق .. وأرضهُ لا ينزلُ فِيها نازلٌ إلا وأصابه ذلٌ وهوان ..
إنها هزيمةٌ نكراء .. لذلكَ البلد المِعطَاء ..
الذِي كَانَ وقُوده وحياتُهُ شبّانٌ لا يفقهُونَ إلا لغةَ الطمُوح والأحلام ..
قطنُوا فِي ذلكَ المنفى سنينًا عِجافْ ، والجدِيدَينِ(*) يستلّانِ منهم الحياة ..
رُغمَ أن مِفتَاحَ الهرُوبِ وسبِيلَ الحُريّة بينَ أيديهم ..
يُكَابِرون وتكبرُ معهم أصفادُ منفاهُم ..
يُرددون ويصرخُون .. والصُراخ آيةُ الألم المدفُون ..
” انتصرنا .. لقد وصلنَا ” ..
وأجسامُهم تترنّحُ فِي جنُون ..
وهُم لا يعلمُون أنه مرت عقُود على النصر الذي كانوا له يتوقون ..

هذا مصِيرهُم ، وهذه قصّتهم .. أفاعتظت يا أيها القارئ الميمُون ؟
اعلم وأدركْ ما تعلم ، أن الحياة لن تصفُ لك دائمًا ..
ستقذفُ بكَ إلى قمّة الجبل حينًا ، وستُجليكَ عن القمة وتحذفُ بكَ إلى دركٍ لا نهاية له حينًا آخر ..

( هِيَ الأيامُ كما شاهدتُها دولٌ ** من سرّه زمنٌ ساءته أزمانُ ) – أبو البقاء الرندي .

لذلك يا صدِيقي .. آمن فِي قرَارةِ رُوحك أنّك ستلجُ يومًا إلى بحرِ لا جزيرة ظاهرة بينَ أحشائه يضربُ بها أمواجه ..
ولو وصلتَ إلى ذلك البحرِ .. فاستعن بربّك وتوكّل عليه .. وثبّت فِي فؤداك أن الفرجَ قادم .. وستكتشفُ حينها جُزرًا لم يصل إليها بشرٌ من قبل ..

ودُمتَ يا صاحبِي ، مُتّعظًا من درُوسِ غيرك .

* الجديدين : اللَّيْلُ والنَّهارُ ، لأنّهما لا يبليان . ( للاستزادة )

سنعُودُ يومًا!

مُجتمعٌ فِي قاعِ الجَهلِ يتخبّط ..
بينَ مَنَاراتٍ – كانت – يُنادى بها لعُشّاقِ العلمِ والأخلاق ..
وسطَ ماضٍ عتِيقٍ كَانَ بالعلمِ مُزدهرًا ،
كَان عَلَمًا ، كَانَ هدفًا ، كَان مُلتقى لـ غُربَاءٍ جمعُهُم حبّ العِلم ..

اليوم ..
فردهُ يحلمُ اليَومَ بأطلالٍ مَضَت ، ورُوحُ شيخه تندبُ شبَابَها ..
وقفُوا ، وتأمّلُوا يومَ أن كَانُوا وكيفَ أصبحُوا ،
يومَ أن كَانُوا يهتفُون بـ غريبٍ أتى ” أهلًا بِك فِي بلادِك ! ” ..
يومَ أن كانُوا أرواحًا مُتجانسة رغم حدُودِ الأجسام ..

يقفُون اليوم ،
وهُم ينظرُون لِما أردت بِهم خلافاتُهم ، هشّمت أرواحهم وزلزلت أركانهُم ..
يُبصرُونَ آثارًا ، وعبراتهُم تكسرُ جفُونَ أعيُنهِم ،
تِلكَ منارةُ بغداد تبكِي .. وهذا مسجدُ قُرطبة يشكُو قلّة مُصليه وهُجران طلابه ،
وذلك جامعُ القيروان يرثِي تِلكَ الجيُوش التِي كانَ قِوامُها السلام ، وتِلكَ القُدس تنامُ وعينُها مُثقلةٌ بالدمُوع ..

كَانَ الغريبُ يأتِي إليهم .. وحُبّه للعلم جلاءٌ للعينِ من بعِيد ، وتمسّكُه بـ ثقافته تُبصرها فِي نبضِ قلبه ورُوحِ فكره ..
أصبحَ الغريبُ اليوم منارةَ البشرية ، وهنيئًا له ، فقدَ حَازَ علمًا ولمّ شملَ من حَوله وألّفَ قلُوبهم ..

لكن ما يُغرقُ الوِجدان فِي همٍ عَظِيم وألمٍ عَسِير ..
هُو بُعدُ غالبية شبابِ ذلك المُجتمع الذِي كان مُزدهرًا عن حُبّ العلم ، حاسبًا العِلمَ ما وجده على طاولةٍ وكرسيّ فقط ..
تراهم حَاذفِينَ بـ هويّتهُم الإسلاميّة عرضَ الحائِط وتشكّلُوا بمظاهرِ الغرب .. ظانّين أنها الحضَارة وأنها الازدهار ..
تاركِينَ العِلمَ الذِي بينَ يديّ الغرب وبينَ يديّ عُلماء مجتمعهم ، مُوليّ رُؤوسهم عنه ، وقَاذفِينَ بالكتاب ومُعرضِينَ عنه .. وهذه الحضارة بأمّ عينها ..

لا يعلُو شأن مُجتمع إلا مِن قبسِ من مجتمع آخر ، لا بأسَ بأن تقتبسَ من غيركَ ما يُفِيدك ما دام أنه نافع لك ولغيرك غيرَ مُؤذٍ لكَ ولا لغيرك .
مثلمَا كانَ الغربُ لدينا يعكفُون على التعلّم وأخذ كُلّ نافعٍ ومُفِيد ينشرُ المحبة ، متشبّثين بهويّتهم وثقافتهم .. ينبغِي أن نكُونَ نحن كذلك ..
نأخذُ من الغربِ مَا يُفِيدنُا وينشرُ العِلمَ والمحبّة والألفة ، فنحنُ بحاجةٍ ماسة إلى التجديد واللحاق بركبِ الحضارة الذِي تخلفنا عنه كثيرًا ..
كفانَا ( كبرياءً ) وكفانَا ( ضلالًا )!

وسنعُودُ يومًا ، كما كُنا .. لو عَشِقنَا العلم والمعرفة وتمسّكنا بثقافتنا الإسلامية ، وفَهِمنَا وطبّقنا ديننا حقّ التطبِيق .. فالإسلام هُوَ دينُ الحضارة.

دَعِيني !

دَعِينِي ..
دَعِينِي أبُوحُ لكِ عمّا أشعلَ صَدرِي .. عمّا أنتِ غائبةٌ عنهُ لاهية ..
دعِينِي اُخبركِ بـ قلبٍ احترقت جنانهُ الغنّاء ..
دعِينِي أخبركِ عن ألمٍ داهمَ قلبًأ وانتكسَ ثغره .. ولُبٍ قد بكَى ، حتى تسربلَ بالدمُوع ..
قلبٌ قد شكى حتى أُغشِي عليه ، يُرِيدُكِ أنتِ ..
تعبرِين أرضه صبَاحَ مساء ، كـ مُزنٍ بخيرٍ أتى .. تُمطرينها بـ تفاؤلٍ وابتسام ..
تَمتطِينَ صهوةَ فِكره ، وتعلِينَ عرشَ قلبه ، وتُمسكِينَ بـ لجامِ خيالِه ..
ينثرُ لكِ حرفهُ مِرارًا وتكرارًا .. لكن لا صدَى فِي الأرجاء ..
يختبئ فِي فراشه ، تحتَ لِحَافِ السمَاء ودُجى ليلةٍ صمّاء .. ويُسافرُ لكِ بـ خياله .. يضمّكِ إليه وبسمةٌ تغزُو شَفَتَيْه .. تتلُوها عبرةٌ تقتلُ فرحةَ جنبيه ..
اَحبّكِ ، حتى صَارَ ضوءُ نهاره كـ حُلكه سَمَاءِ ليله ، تبدّلت أرضهُ غيرَ أرضِه التِي يعرفُهَا .. أرضٌ امتلأت بكِ أنتِ ،
داهمتهُ سنِينٌ عِجَاف .. بحثَ عنكِ فِي أصقَاعِ الأرض ، مشَارِقهَا ومَغَاربِهَا ..
وَجَدكِ ، لكن أين ؟ فِي خيالِه .. يغزُوه ألمٌ مَرِير من اشتياقٍ طَوِيل .. يكتبُ لكِ رسَائِل يردُّهَا ساعِي البرِيد فِي صَبَاحِ ليلةٍ كَان الأرقُ فِيها الزَائِرَ الثقِيل ..
يسهرُ الليل تحتَ ضوءِ بدرٍ لا يأتِيه إلا فِي الشهرِ مرة ..
يُحاكِيه ويُفضِي إليه عمّا يَعتلِيه .. عن حُبٍ لا يقدرُ على قَولِه لـ صدِيقٍ ولا لـ قرِيب ..
– هل تنظرُ إليك ؟
– فِي أيّ بِقاعِ الأرضِ هي قاطنةٌ أيّها الرفِيق ؟
– هل تسهرُ الليلَ وتقُولَ لكَ عمّا فِي فُؤادها المسكين – كما أفعلُ أنا – ؟
أتعلمُ أيّها القمر أحبّها ! لماذا ؟ لا أدري !
ألجمَالِ رُوحها ؟ أم لـ رزانةِ عَقلِها ؟
أتعلمُ أنني كسيرٌ أسِير فِي حُبّها بإرادتي ..
أتعلمُ أنني أُعانِي غيابها الطويل ..
أتعلمُ أن حُبّها داءٌ ودواء ؟ ، داءٌ لـ عَقلِي لـ فِكرِي .. ودواءٌ لـ انكساراتِ فُؤادِي ..
أتعلمُ أنها لا تعلم أنها ضياءٌ وضوءٌ وهُدىً لـ يائسٍ فِي كونٍ فَسِيح ..
أتعلمُ أن قبضةُ يَدَها صمامُ أمَانٍ لـ قلبِي ، وحُضنها ملجئٌ لأيتامِ هميّ .. وصوتُهَا هواءُ رئتِي .. وبينَ يديها أجِدُنِي !

أيّها البدر أراكَ قد تعجّلتَ الرحِيل .. ففِي قلبِي حُبٌ لها ليسَ له مثِيل ..
صبرًا .. سأقُولُ لكَ هميّ الأخير .. الذِي أبكَانِي وألبسنِي رِدَاء الصَمتِ المَرِير ..
أتعلم أنها لا تدرِي بكلّ ما قُلتُ لك ؟ أتعلمُ أنني وحيدٌ – بدونك – أتجرّعُ حُزنَ بِعَادِها وفِرَاقها ؟
لا تَدرِي ، ولن تَدرِي .. صبرًا ! فيومًا ستطرقُ – هي – بابَ صَمتِي .. وأُثرثرُ لها بـ حُبٍ – كانَ – يَتِيم ..