هذراتٌ وكلماتْ من هُنا وهناك.

أقرأ .. ذلك العالم الآخر ..

يعيشُ وحيدًا ، مُنعزلٌ فِي صومعته ، غريبٌ فِي وطنه ، مُتناثرٌ فِي عالمه الخاص .

ينُوح ويبكِي ، يسعدُ ويبتسمُ ، يتأملُ ويفكّر ، كلّ ذلك وحيدًا في صومعته .

تساءل يومًا .. إلى متى سيستمرُّ هكذا؟.

لكن الإجابة .. أتت بأسرع مما تصوّر.

يومَ أتى كان يقلّبُ صفحاتِ الوجُوه ، هذا وذاك ..

يومَ رحلَ كان يُحاولُ مَحِيَ خطيئة الدمُوع ..

يومَ أن كانَ وحيدًا ، ضاقت به الأرض ورَمَى نفسه بينَ دفّتيّ الكُتب .. كانتْ تستقبلهُ كلما أقبلَ عليها .. تُسرعُ إليه تُريد منه أن يضمّها إلى صدره ..

لكن يومَ أن عادْ إليهم .. لأولِ مرةٍ في حياته .. لم تستقبله الكُتُب .. استقبلُوه وهُم إلى صدُورهم ضمّوه .. لأولِ مرةٍ تقفُ الكتبْ وتتأملُ مشهد إقباله .

يقفُ وحيدًا ، لأنه لم يعرفْ يومًا كيف يكتسبُ صديقًا .

عادَ إلى أهله وهو لم يكتسب أصدقاء أبدًا كعادته .

لكنه عاد وذاته فِي شتّى المُدُن ، تمضِي مع إخوته الذِينَ أحبّهم فردًا فردًا .

كانَ يحسبُ النعِيمَ في العُزلة ، في الفِكرْ ، فِي التأمّل ..

لكنه اكتشفَ كم كانَ سخيفًا .. لم يُدرك أن ” النعيم هو العيش بين القرّاء ” ..

سأذكركم .. كُلّما مسكتُ كتابًا .. كُلّما قرأتُ حرفًا .. كُلما حاولتُ فِهمَ مُعادلةٍ رياضيّة ..

كُلما تمايلتُ بين الخفّة والثِقل .. كُلّما نُودِيَت صفيّة .. وكّلما قرأتُ قولَ ربيّ .. ” ويومئذ يفرح المؤمنون ” ..

كُلما وقعتُ فِي مغالطةٍ منطقية وحاولتُ ارتكابَ إثم الفلسفة .. كلما حاولتُ التكهّنَ بما لم تقله زرقاء اليمامة ..

كُلّما بحتٌ في الأخلاقيّات والإنسانيّات .. كُلما حُلِمَ بالخلُود .. كُلّما ذُكرَ شايّ البُخارِ .. والقهوة والتاريخ .. وكُلّما ذُكرت اللغويات ..

وكُلما سُئلت عن الأديان .. وكُلما ذُكرَ هارِي بُوتر ورفاقه ..

كلّما ذُكرت القلعةُ والهيبة! .. كُلّما ذُكرت المركزية والمرجعيّة ..

كُلمّا أُطربتْ رُوحِي بشعرٍ .. كُلّما رُفعَ الظلّم .. كُلّما قرأت لرابعة العدوية .. وكُلما سمعتُ اسم الحلّاج والرُوميّ .

كُلما ذكرت ثنائية الرُوحِ والجسد .. كُلّما صارحنِي أحدهم .. كُلما ذكرت الأسماء .. وكُلما ذُكر باي .

بل أيضًا كُلّما اتّكأت! وكُلّما تمنطقت! وكُلّما تهمّشت “P:”.

كُنتم .. أوّلَ مَن فتحَ قلبِي وغاصَ بِه بإرادتي ، وأوّل من بكيتُ لفراقه .. كُنتم عائلةً تعالت عن علاقةِ الدمّ .. كُنتم أنتُم عائلةُ الرُوح .

حِينمَا نالتْ عينايَ رُؤيتكم على مسرحٍ تقفُونَ وتبدعُون أمام جمعٍ غفير .. لم تتمالك نفسها فنزفت طربًا وفخرًا بكم .. لأنها كانت تشعرُ أنها أنتم وأنكم هِيَ ..

حِينمَا وقفنَا سويةً نتشاركُ أفراحنا وأحزاننا على المسرح .. تِلكَ لحظةٌ خالدة .. وهُناك تجلّت أرواحنا وتعالت عن المادة .

فتذكّرُوا .. أينمَا رحلتم أيها الأربعُون والمنظّمُون وكُل من رافقنا .. أنكم تحملُون معكم جزءًا منيّ .. عاملُوه برفقٍ وتذكّروا ” ما بعدَ الصفحة الأخيرة ” ..

عُودُوا لأفتخر بأنكم عُدتم وبأنني رافقتكم ..

أودُّ أن أكتبَ أكثر ..

لكن لا أمتلك لغةً تصفُ ما حدثت ، فما حدث تعالَى عن اللغات الكلاميّة .. فما حدثَ خلقَ لنا لغةً خاصةً بنا .. لغةٌ لا صوتَ لها ولا رسمْ .. وأظنّها تُغنِي عن ذلك كله.

أحبّكم .. رُوحًا رُوحًا .

– 15 سبتمبر 2014 .. لأقرأ تحدّثت .

حول الكاتب

تعليقات 3

هذراتٌ وكلماتْ من هُنا وهناك.